الأربعاء، 14 أبريل 2010

الشرفة

لكل إنسان عاداته التى يحرص عليها يوميًا .. لا يفارقها مهما كانت الأسباب .. أنا أيضًا لي بعض العادات التي لا أتنازل عنها .. مثل شارع محبوبتي الأولى التى كانت تسكن فيه و الذى أصر أن أمر فيه يوميًا عند عودتى إلى منزلى و أن ألقى نظرة على شرفتها – أو تلك التى كانت شرفتها – ترى أين ذهبت الآن؟ .. نفس المقهى الذي إعتدت أن أسهر عليه يوميًا سواءًا وحدى أو مع أصدقائى .
أما أهم عاداتي فهى تلك التى ترتبط بشرفة غرفتي .. تلك التى تطل على شرفته .
هو .. لا أعرف عنه الكثير سوى أنه يعيش وحيدًا بعد أن تجاوز سن الثمانين من عمره .. رغم سنوات عمره تلك إلا أنه يبدو نشيطـًا .. لا يتوقف عن الحركة في شقته طوال اليوم إلا من ذلك الوقت المعتاد .
هو أيضًا له عاداته اليومية التى لا يتخلى عنها .. أو هكذا يبدو .
لا أعرف من عاداته سوى تلك تلك التى أرتبط بها .. تلك الجلسة التى تبدأ عادة في الخامسة و تنتهى كالعادة في التاسعة .. يجلس أمام الشرفة على نفس الكرسي ينظر في إتجاه واحد لا يتغير .. لا تململ في جلسته .
أتذكر ذلك اليوم الذى رأيته فيه للمرة الأولى يفعل ذلك .. لم يكن عادتي أن أبقى في المنزل إلى بعد الخامسة .. عندما خرجت إلى شرفتى وجدته على جلسته .. ذلك اليوم عدت إلى الشرفة عدة مرات لأجده على ما هو عليه لم يتحرك قيد أنمله حتى التاسعة .
في اليوم التالى بقيت في المنزل خصيصًا لأتابعه .. في الرابعة و النصف جلست في الشرفة .. في الخامسة أتى هو و جلس بعد فترة .. أحست بالملل .. تساءلت كيف لا يمل هو تلك الجلسة .. تـُرى ما الذى يجلس ينظر إليه .. لا أعلم .. ظل ذلك الهاجس يراودنى .. أجبرت نفسي على إكمال الجلسة حتى نهايتها .. قام و إتجه إلى الداخل.
تدريجيًا بدأت أتعود على الوضع بل إننى أصبحت مثله لا أتحرك طوال الوقت .. فكرت يومًا أنها قد تكون إحدى تمرينات اليوجا .. لكن ما الذى يشغل عجوزًا مثله باليوجا ؟!! .. هناك أمر ما.......
***
أتاحت لى تلك الجلسة اليومية التفكير في أمور شتى لم أكن لأفكر فيها أبدًا مهما كان الأمر .. إتخذت قرارت هامة غيرت مجرى حياتي .. تركت عملى الذى كنت أكرهه .. وقتها لم يكن أمامى فرصة أخرى .. بعد فترة أنشأت عملى الخاص .. كان قرارًا حكيمًا .. تركت خطيبتى التى لم أشعر أننى أميل أليها من البداية .. الآن وجدت حب عمري . و هكذا .
***
هو .. مسالم جدًا .. الإبتسامة لا تفارق وجهه .. وجهه طيب الملامح .. صارم القسمات .. وحيدًا دائمًا .. لم أر يومًا أحدًا يزوره أو يؤنس وحدته .. في تلك المرات القليلة التى كانت تلتقى فيها أعيننا عبر الشرفة كنا نتبادل التحيات .. البسمات .. هز الرئوس .. أجده يفعل ذلك مع كل من تقع عينه عليه .. ربما يأتنس بهم .
اليوم .. الرابعة تمامًا جلست فى مكانى في إنتظاره .. لم يخلف وعده ..لفت نظرى مظهره .. يرتدى زيًا عسكريًا و طربوش .. وقف أمام الكرسي في نهاية الجلسة .. وقع أرضًا .. إنتبهت .. أصابتنى تلك الرجفة .. الرعب .. لا أدري .. خوف قوى على صديقي الخفى .. العزيز .. ظللت متابعًا لموقف لخمس دقايق تقريبًا .. لم يظهر .. هرعت إلى هاتفى النقال طلبت الإسعاف و أنا في طريقي إليه .. صعدت مع البواب و رجال الإسعاف .. رغم خوفي الشديد عليه .. كان بداخلى ما يدفعني لأن لأعرف ما الذى يخفيه هذا الرجل .
على باب الشقة لافته مكتوب عليها " صاغ / محمد عبد النعم " صاغ ؟! ماذا يعني ذلك ؟!
إقتحمنا الشقة .. كان لا يزال مسجيًا على الأرض قي زيه العسكري .. على الحائط المواجه شماعة للزى العسكري .. صورة للملك مع الحرس الملكى تحمل دائرة حول صورته .. تتوسطهما لوحة لإحدى أميرات العائلة المالكة
تمت

ليست هناك تعليقات: