السبت، 17 أبريل 2010

" مش الحكى مات من تلت شهور "

كان هذا ما فاجأني به صديقي عند دخولنا إلى شارعنا الذي غبت عنه طوال العامين الماضيين.

الحكى أغرب من عرفت فى حياتى منذ أن أتى للعيش في منزله عند طرف الشارع .. المنزل كان مغلقـًا منذ ولادى .. لم أرى أحدًا يدخله أو يخرج منه حتى أتى هو .

كان وحيدًا لم لأرى أحدًا يقطن معه .. كنت فى العاشرة عندما رأيته لأول مرة .. رجلاً في العقد السادس من عمره يجلس في حديقة منزله الصغيرة و قد إجتمع حوله أطفال الحى و هو يوزع عيهمالحلوى ..كان شيئـًا عظيمًا أن تحصل على الحلوى مجانـًا كل يوم أما هو فقد كان يجلس إلينا و يحكى لنا قصصه و نوادره التى لا تنتهى.

رويدًا رويدًا لم يعد زواره من الأطفال فحسب .. لكن من الشباب كبار السن أيضًا .. حكاياه تمتع الجميع .. أصبح يعرفنا بالإسم و يسأل عنا إذا غبنا عن مجلسه .

أما أنا فقد كنت أتساءل فى نفسي عن بيته .. فبرغم كل زواره لم يدخله أحد قط .. كنت كلما ذهبت إليه لأمنى نفسي بأنني سأكون أول من يدخله لكن ذلك لم يحدث أبدًا .

مرت الأيام تسبق بعضها بعضًا و تدريجيًا فقدت أهتمامى بالمنزل و الحكايا و كذلك الحلوى .. أخذتنى الدراسة إلى الواقع حتى نسيت الخيال بل حتى لم أعد أثق بغير الواقع .. كذبت كل ما قال و كفرت بكل الحكايا .. لكنه لم يتوقف أبدًا عن السؤال عنى .

من شرفة غرفتى رأيت بيته .. الحديقة الخالية منذ ثلاثة أشهر .. علمت أن أحدًا لم يدخل بيت الحكى منذ وفاته .

كان الليل قد بدأ في إرخاء أستاره عندما قررت أن أدخل البيت .. أن أكشف لنفسي و لو لمرة أخيرة كذب كل الحكايا التى قالهاو التى رفضتها مسبقـًا .

دقائق معدودة و كنت أمسك بكشافى الضوئي و أقف أمام البيت .. كان غير موصد .. يبدو أن أحدًا لم يهتم بذلك منذ وفاة الحكى أو أنه لم يوصد أبدًا .

أضأت الكشاف و دخلت و مع كل خطوة سيل من القصص و الحكايا التى سمعتها منه .

دلفت إلى أول غرفة قابلتنى .. الجدران تملأها صور لم أستطع أن أحصيها .. إستعرضت الصور إلى أن إستوقفتنى .. تذكرت قصة " شجرة التوت العالية " التى قصها علىَّ .. قال أنه إستطاع أن يصعد إلى شجرة التوت سبع مرات في يوم واحد بعد أن تراهن مع أصدقاءه على ذلك لم أصدق يومًا أن طفلاً يستطيع صعود شجرة التوت سبع مرات .. خاصة عندما حاولت ذلك و لو لمرة واحدة .. فكيف إستطاع هو ذلك .. كانت الإجابة واضحة .. صورة طفل يتسلق " شجرة التوت العالية " .

توقفت لبرهه أمام الصورة .. شكل الحكى لم يتغير كثيرًا منذ طفولته و حتى رأيته للمرة الأخيرة قبل سفري مباشرة .. من الغريب أن تجد أحدهم يحتفظ بوجهه الطفولي طيلة حياته .. ربما لهذا كان يحبه الجميع و ربما لهذا لم أكن .

تابعت الصور على الجدران .. هذا الرجل كان يجد من يصوره في كل لحظات حياته.

حكى لنا يومًا أن عائلته توارثت مهنة التصوير أبًا عن جد .. حكى أيضًا أن جده هو أول من صور الزعيم سعد زغلول عند عودته من المنفى كما إعترض طريق الملك فاروق الأول راجيًا منه أن يلتقط له صورة يوم تتويجه .

قال أن جده هو أول من أدخل الكاميرة المحمولة إلى مصر .. كما أن أبيه هو الذي صور الرئيس محمد نجيب و الرئيس جمال عبد الناصر كان أول من أدخل كاميرة التصوير الملون و أول من إستعملها .

يومها لم أعرف تلك الأسماء التى تحدث عنها .. سألته عنهم فأجابنى أن الناس دائمًا ما يحتاجون إلى من يسيرون وراءه .. المشكلة أنهم يغمضون أعينهم و يربطون أنفسهم بهم حتى و ساروا بهم إلى الجحيم .. لم أفهم شيئـًا وقتها .. إبتسم و قال إنني سأفهم فيما بعد .. بمرور الزمن عرفت عنهم أشياءًا كثيرة شككتني في رواياته عنهم .. في الغرفة المجاورة وجدت صورهم تتصدر جدران الغرفة .. عجبًا .

لم أتمكن أبدًا من رؤية بيت بهذا القدم من الداخل من قبل .. أتفقد الزخارف .. كانوا يهتمون بكل شئ .. الزخارف و التفاصيل الجديدة .. أخبرنى أبى أن البيت كان ملكـًا لجد الحكى ثم أبيه من بعده و أغلق بعد وفاته حتى أتى الحكى ليعيش فيه بعد ذلك بزمن .. الغريب أن الحكى لم يفسد تلك الزخارف بصورته بل كان معتنيًا جدًا بذلك .

إلى اليمين غرفة أخرى .. الغرفة الوحيدة ذات باب وردى .. في الغرفة ثلاثة صور فقط يخصون زوجته .. أتذكر تلك الحكايا التى حكاها لنا مرات كثيرة عن زوجته و كيف أحبها و أحبته و قص علينا قصة رفض أبيها و كيف تحدياه .. أتذكر أنه قص علينا كيف كان يترك عمله مبكرًا كل يوم فقط لكى يلقى عليها نظرة خاطفة عند خروجها من منزلها و كيف كان يبيت مختبئًا أمام بيتها فقط لتكون هي أول من يرى في يومه .. كانت أجمل نساء الدنيا .. هكذا قال .. أحداث كثيرة قصها علينا و في النهاية كان الزواج بداية.

كانت جميلة جدًا .. أجمل بكثيرمما توقعت .. كان معه كامل الحق أن يهيم بها كل هذا الهيام و يقص عنها كل تلك القصص و الحكايا .. ذكرنى جمالها بها .. أجمل فتيات حينا .. كانت تجلس معنا عند الحكى تستمع حكاياه .. لم يكن يربطنا شئ سوى تلك النظرات التى كنا نرسلها لبعضنا البعض .. كنت أعرف أنها تخصنى بنظراتها دون غيري و كنت أبادلها النظرات أيضًا .. و بمرور الوقت تآلفنا أكثر و كبرنا أكثر .

كنت أرى عينيها تتألق و تنظر إلىَّ دومًا عندما كان يحكى لنا عن زوجته .. كأنه كان يشعل فينا الحب و أنا أيضًا .. مر العمر بنا و كبرنا أكثر .. لم أكن أؤمن إلا بما تراه عيني و تلمسه يدي .. أما هى فظات تحيا في معينه تنهل من حكايا لا تنتهى.

أذكر يومنا الأخير .. ظلت تحدثنى عن الحب و الخير و الجمال .. لكننى يومها أحببت ذلك الجسد الناضج القابع بجواري .. حاولت تقبلها عنوة .. رفضت و نهرتنى .. صفعتها.

صباح اليوم رأيتها شابة رائعة الجمال و الأنوثة .. مرت بجواري و كأنها لا تعرفني .. الغريب إنني لم أحس يومًا بتأنيب الضمير أو بالندم على ما فعلت.

على الجدار خلفى وجدت مئات من الصور لها سواءًا معه أو وحدها و حتى صور لها بملابس الدراسة .

بجوار السرير سلم يقود للأسفل فى نهايته ممر طويل .. على جانبى الممر صورًا لأكثر ما رفضت تصديقه .

حكى لنا عن الحرب و عن ذكراياته مع السلاح و الدوشمة و الخنادق .. حكى لنا عن ثمانية سنوات قضاها على الجبهة و عن يوم العبور و عن صيده للدبابات و كيف كان ينام تحتها بالقنبلة داخل ماكيناتها أو يقفز فوقها ليلقي بالقنبلة داخل كوتها .

لم أصدق أيًا من تلك الحكايا لكنى الآن أقف أما كل ذلك .. حتى تلك الخوذة التى أخذها من الجندي الإسرائيلي الذى أسره في أول يوم قتال .

أتابع الممر إلى نهايته لأجده قد علق بإعتناء ذلك الوسام الذى حصل عليه تقديرًا لشجاعته في الحرب .

حكى لنا عن والده الذي توفي سنه تسع و ستون قبل أن يموت جمال عبد الناصر فلم يصور السادات .. أما هو فقد قرر ألا يتخذ التصوير مهنة له بعد خروجه من الجيش .. إنه يعشق التصوير لدرجة تمنعه من أن يكون فقط مجرد " مصوراتي " .. لا أعرف لماذا صدقته في هذه القصة بالذات .

دخلت غرفة .. إثنان .. ربما ثلاثة أو أكثر .. لا أعرف تحديدًا لكننى أخيرًا وجدت معمل التحميض و على جدرانه وجدت صور كثيرة لنا و نحن نجلس حوله كل أطفال الحي الذين صاروا كبارًا الآن .. ركن ما خصصه لصوري أنا و حبيبتى أو من كانت كذلك و صورًا أخرى لي .. لم أدر متى إلتقطها.

كان أخرصوري يوم سفري للدراسة .. أذكر أنه إعترض طريقى يومل فجأة قائلاً كلمة واحدة .. إحلم .

نظرت فى الساعة .. يكاد الفجر يقترب .. رحت أبحث عن الباب و أنا أسأل نفسي ما إذا كنت أريد الخروج حقـًا .

تمت

ليست هناك تعليقات: