الأربعاء، 28 أبريل 2010

نفسي

أزعجه الصرير الغريب ففتح عينيه ليستكشف يومه الجديد.

" نفسي أموت "

كانت تلك هى الكلمة التى قالها لنفسه و هو يفتح باب شقته بادئـًا يومه الطويل كالعادة .. ألقى نظرة على الشقة من الداخل قبل أن يغلق الباب و كأنه يودعها .. من داخله كان يود ألا يعود إليها .. فهى لا تمثل لديه إلا مكانـًا للنوم .. أيامًا كثيرة حتى لا ينام فيها .. يمل إلى البقاء وحيدًا بالليل يحاول أن يجدد .. ربما يصر أن يبقى متنقلا ًبين المقاهى و الشوارع حتى الصباح دون إنقطاع لمجرد ألا ينام بمفرده في منزله .. ربما أيضًا يغالبه النعاس لكنه بمرور الأيام أحب النوم في الهواء الطلق أو ربما إعتاد عليه.

سار في طريقه المعتاد .. إنه يحفظه بكل إنحناءاته و شوارعه الجانبية لدلك لا يبذل مجهودًا في إختياره ربما لا ينظر إلى الطريق من الأصل .. يستطيع أن يغمض عينيه و هو يعرف جيدًا أنه بعد عدد معين الخطوات سوف يدلف يمينـًا أو ربما سيصل إلى الشارع الرئيسي .. لم يخطئ يومًا في ذلك و لم تخنه خطواته الثابته ذات الإيقاع الرتيب.

بمجرد وصوله إلى مقدمة الشارع يكون الساعة السادسة و النصف دائمًا بدون تأخير أو تقديم .. يرهقه روتينه اليومي لكنه لا يحاول تغييره أبدًا .. يعتبره جزئـًا منه هكدا يبدأ ما إعتاد عليه يوميًا .. بعد وصوله بخمس دقائق تصل نفس السيارة التى إعتاد أن يركبها يكره الأيام التى تتأخر فيها تلك السيارة .. يكرة أكثر الأيام التي لا تأتي فيها .. يلقى نظرة من شباك السيارة على شارعه.

" نفسي مارجعش "

يبدأ في دوامة صمته اليومى .. لا يتكلم تمامًا .. يزعجه الصرير المزعج المفاجئ .. بينما لا يتوقف سائق السيارة أبدًا عن الحديث مهما كانت الأسباب .. إعتاد على ثرثرة السائق حتى أنها أصبحت بالنسبة له مثل أى شئ .. ضوضاء الشارع .. الأصوات المختلطة لقنوات الراديو .. يبدو أن تلك الأشياء فقدت إزعاجها بالنسبة له.

عادة ما يفقد حديثه الطويل فى دوامة أفكاره و لكن أية أفكار .. أفكاره دائمًا فارغة .. لا تفضي إلى شئ لكنه إعتاد عليها.

حتى عمله الذى عادة ما يصله في السابعة إعتاد على كل شئ فيه .. حتى على إزعاج زملائه و هو يضعون ملفات العمل أمامه لينجزها بدلاً منهم بينما يشغلون أنفسهم بإشياء شتى ليس العمل جزء منها .. أحيانًا هو أيضًا لا يكون مقبلاً على العمل .. لكنه يعمل بحكم العادة.

العادة .. شئ يزعجه .. لكنه يألفه .. يخشى أن يغير طبيعة يومهلكنه لا يحب التغيير كثيرًا في حياته حتى و إن رغب هو فى ذلك.

" زهقت " .. عادة ما يقولها في الثالثة مع إنتهاء يوم عمله .. رغم أنها عادة تخرج منه دون قصد .. لكنه إعتاد عليها.

" نفسي أستقيل " هكذا يكمل جملته .. دائمًا ينضم إلى جموع الخارجين من المكان .. يستمع صامتـًا إلى جواراتهم .. إلى مواضيع مناقشتهم حتى إذا سأله أحدهم عن رأيه .. ربما لا يحب ما هو أكثر من هز رأسه ربما لا تعمى إشارته شيئـًا و ربما لا يفهمون هم ذلك لكنهم يكملون معه طريق خروجهم و يكملون حديثهم الذي لا يجد فيه نقطة إلتقاء معهم.

لم يراد أن يدخل إلى شارعه .. وقف لبرهه لا يدري أين يذهب .. الأمر أصبح متكررًا .. بفت نظره الطائرة الورقية في السماء

" نفسي أطير" كان ذلك هو إحساسه عندما رأها .. فرد ذراعيه .. أراد أن يتخيل نفسه منطلقـًا مثلها .. أفاق على نفير السيارة خلفه .. افقده ذلك متعة إحساسه.

تنقل بين المقاهى و الشوارع كل الأماكن التى إعتاد عليها .. يعرف كل مداخلها و مخارجها .. الكثير منها يستطيعأن يغمض عينيه و يتحرك دون خوف.

" نفسي أسافر " فكرة طرقت عليه فجاة .. لم يرد ان يمنح نفسه حتى فرصة التفكير فى الأمر .. كان التنفيذ فوريًا .. أراد أن يعبر الطريق.

تعجله لم يمنحه الفرصة حتى لينظر إلى تلك السيارة القادمة نحوه بسرعة

" نفسي أموت " قالها قبل إن تظلم الدنيا في عينيه .. أظلامًا بدا أبديًا

***

فتح عينيه .. أحس ببعض الآلام الخفيفة لم يعرف أين هو .. هل هو في الجنة أم في النار .. سؤال دار فى ذهنه .. حاول ان يقوم أحس بيدين تعيدانه برفق إلى السرير .. نظر إلى ذلك المتشح بالبالطو الأبيض.

" إيه يا حج مش تاخد بالك من السكر شوية .. ولادك كانوا هايموتوا من القلق عليك "

تمت

الثلاثاء، 20 أبريل 2010

التنظيم

عند إنتهاءه من الأحتفال بعيد ميلاده الأربعين إكتشف أنه أمضاه وحيدًا رغم كل أولئك الذين يعرفهم و يعتبرهم أصدقاءه من الأوساط الثقافية.

هو كان واسع الإنتشار فى الأوساط الثقافية لدرجة أن الكثيرين منهم إعتقد أنه عميل للأمن ينتقل إليهم ما يدور في مجالسهم الثقافية .. هو لم يكن كذلك و مع ذلك يذل مجهودًا كبيرًا لكي يبدد هذه الصورة عنه.

رغم كل شئ كان سلميًّا إلى درجة كبيرة .. يرفض أفكار الإضرابات و التظاهر و التغيير الجبري و كل تلك الموجة التى ثارت في أوقات مختلفة معتبرًا إياها من وجهة نظره تراجعًا ثقافيًا .. كل يرى أن العيب الحقيقي ليس في قمة الهرم بل في قاعدته .. أدخله ذلك في مناقشات طويلة مستفيضة ليس لها أول من آخر .. كانت نهايتها إتهامات متعددة بالخيانة و السطحية الثقافية و مع أحتدام المناقشات و كثرتها أصبح عضوًا غير مرغوب فيه عن الكثير من المحافل الثقافية .. بهدوء فقد كل أصدقاءه الذين أكتسبهم طوال الفترة الماضية.

إحتفاله وحيدًا بعيد ميلاده و فترة الوحدة التى قضاها قبلاً شكلا ضغطـًا نفسيًا كبيرًا عليه فهو ببساطة يرى أن الأمر لم يكن يستدعى ذلك .. أن يمقته الجميع .. ساوى في عقله بين هؤلاء المثقفين الذين يطلقون لقب خائن و عميل على كل من يعارضهم و هؤلاء المتأسلمين الذين يطلقون لقب كافر على كل من لا يتفق معهم .. كلاهما حكم بالإعدام.

قضي فترة طويلة يفكر في الأمر و يقلبه على كافة الأوجه .. أحيانـًا يسأل نفسه لماذا لم يسبقهم بالقول و يتهمهم بالخيانة .. ربما لو كان قد فعل ذلك لتغير الأمر .. " في بعض الأمور يكون الأسبق دائمًا على حق " هكذا كان يقول لنفسه.

لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير حتى أن الوقت الذي خصصه للقراءة يوميًا لم يقرأ فيه كلمة واحدة بل توقف تمامًا عن أى شئ أخر سوي التفكير.

لم يصل إلى حل .. دار في كل أنحاء الغرفة دون أن يفهم أي شئ .. بهدوء أحس بأن شئ ما يتسرب شيئـًا فشيئـًا إلى عقله .. " ألا يمكن أن أكون أنا المخطئ .. ليس من الطبيعي أن يكون كل هؤلاء مخطئون و أنا الصائب الوحيد " .. صمت طويلاً .. حاول أن يخرج الفكرة من خضم أفكاره حتى توقف عن التفكير تمامًا .. مع خروج الفكرة من عقله .. إستغل هذه الفترة في الإسترخاء.

لم تمر فترة طويلة حتى إرتطمت به الموجة الثانية .. " لماذا لا تجرب الطرف الآخر " .. تلك المرة لم يحاول إخراج الفكرة من عقله .. وجد نفسه و قد إنصاع لها تمامًا و بسرعة غريبة ترتبت أمام عينيه أفكار كثيرة حتى أنه أسرع إلى مكتبه و أخرج أوراقه و كتب في وسط أولاها .. " التنظيم " .. ثم صمت القلم بين يديه .. خلا عقله تمامًا من شئ يمكن أن يكتبه .. " يرى ماذا يمكن أن تكون أهداف هذا التنظيم و توجهاته ؟! "

إكتشف أنه رغم كل قراءاته فهو لم يتمرس السياسة ليس لأنه يخشاها و لكن لأن الأولوية بالنسبة له لم تكن لها .. إكتشف أن عليه أن يعيد قراءاته في السياسة قبل أن يكتب حرفـًا آخر.

لشهر كامل يعيد قراءاته في الماركيسية و الإشتراكية و الليبرالية و الرأس مالية و الفاشية و النازية و في أفكار التيارات الإسلامية .. إكتشف أنه لا يقبل تيارًا سياسيًا بعينه ففى الوقت الذي يتفق فيه مع اليسار فهو يختلف كتيرًا مع اليسار و كذلك اليمين و كذلك التيارات الإسلامية.

كان الحل واضحًا جليًا رغم أنه يخشاة .. عليه أن يجمع بين كل تلك الأراء التى يقبلها في تيار واحد حتى لو أدى الأمر إلى أن يضع أسس لتيار جديد يوازن.

إستلزمه الأمر شهرًا آخر لكي يفعل ذلك .. ملآ أكثر من مئتى ورقة بأفكار لا تكاد تنتهى ثم خصص عدد مماثل من الصفحات يضع فيها أفكاره عن الثورة و التغيير و أخيرًا إنتهى.

وضع كل الأوراق أمامه و هو ينظر بفخر لما هو على وشك أن يقدمه للبشرية.

******

بعد إنتهاء هذا المحفل الثقافى جلس كعادته غير بعيد .. وحيدًا بينما جلست تلك المجموعة من المثقفين تتحدث عن أحوال الوطن و ما يدور فيه .. إحتدم النقاش و توحدوا حول إظلام الصورة.. قرر هو إنتهاز الفرصة .. إقترب ببطء ثم أعلن كلمته .. " لا حل سوي الثورة" .. أثارت الكلمة إندهاش جميع الحاضرين .. أستغل الموقف و لسرعة جلس بينهم يشرح لهم كل أفكاره التى كتبها و مع كل كلمة يزداد تجاوبهم معه و إقتناعهم به بينما يزداد هو سعادةحتى أنه أحس أن ثورته المنشودة لن يستغرق الإعداد لها سوى أيام معدودة على أصابع اليد الواحدة.

******

أفاق من غفوته و أفكاره .. أمسك بقداحته و أشغل النار في كل الأوراق فهو غير مقتنع بالفكرة منذ البداية

تمت

السبت، 17 أبريل 2010

" مش الحكى مات من تلت شهور "

كان هذا ما فاجأني به صديقي عند دخولنا إلى شارعنا الذي غبت عنه طوال العامين الماضيين.

الحكى أغرب من عرفت فى حياتى منذ أن أتى للعيش في منزله عند طرف الشارع .. المنزل كان مغلقـًا منذ ولادى .. لم أرى أحدًا يدخله أو يخرج منه حتى أتى هو .

كان وحيدًا لم لأرى أحدًا يقطن معه .. كنت فى العاشرة عندما رأيته لأول مرة .. رجلاً في العقد السادس من عمره يجلس في حديقة منزله الصغيرة و قد إجتمع حوله أطفال الحى و هو يوزع عيهمالحلوى ..كان شيئـًا عظيمًا أن تحصل على الحلوى مجانـًا كل يوم أما هو فقد كان يجلس إلينا و يحكى لنا قصصه و نوادره التى لا تنتهى.

رويدًا رويدًا لم يعد زواره من الأطفال فحسب .. لكن من الشباب كبار السن أيضًا .. حكاياه تمتع الجميع .. أصبح يعرفنا بالإسم و يسأل عنا إذا غبنا عن مجلسه .

أما أنا فقد كنت أتساءل فى نفسي عن بيته .. فبرغم كل زواره لم يدخله أحد قط .. كنت كلما ذهبت إليه لأمنى نفسي بأنني سأكون أول من يدخله لكن ذلك لم يحدث أبدًا .

مرت الأيام تسبق بعضها بعضًا و تدريجيًا فقدت أهتمامى بالمنزل و الحكايا و كذلك الحلوى .. أخذتنى الدراسة إلى الواقع حتى نسيت الخيال بل حتى لم أعد أثق بغير الواقع .. كذبت كل ما قال و كفرت بكل الحكايا .. لكنه لم يتوقف أبدًا عن السؤال عنى .

من شرفة غرفتى رأيت بيته .. الحديقة الخالية منذ ثلاثة أشهر .. علمت أن أحدًا لم يدخل بيت الحكى منذ وفاته .

كان الليل قد بدأ في إرخاء أستاره عندما قررت أن أدخل البيت .. أن أكشف لنفسي و لو لمرة أخيرة كذب كل الحكايا التى قالهاو التى رفضتها مسبقـًا .

دقائق معدودة و كنت أمسك بكشافى الضوئي و أقف أمام البيت .. كان غير موصد .. يبدو أن أحدًا لم يهتم بذلك منذ وفاة الحكى أو أنه لم يوصد أبدًا .

أضأت الكشاف و دخلت و مع كل خطوة سيل من القصص و الحكايا التى سمعتها منه .

دلفت إلى أول غرفة قابلتنى .. الجدران تملأها صور لم أستطع أن أحصيها .. إستعرضت الصور إلى أن إستوقفتنى .. تذكرت قصة " شجرة التوت العالية " التى قصها علىَّ .. قال أنه إستطاع أن يصعد إلى شجرة التوت سبع مرات في يوم واحد بعد أن تراهن مع أصدقاءه على ذلك لم أصدق يومًا أن طفلاً يستطيع صعود شجرة التوت سبع مرات .. خاصة عندما حاولت ذلك و لو لمرة واحدة .. فكيف إستطاع هو ذلك .. كانت الإجابة واضحة .. صورة طفل يتسلق " شجرة التوت العالية " .

توقفت لبرهه أمام الصورة .. شكل الحكى لم يتغير كثيرًا منذ طفولته و حتى رأيته للمرة الأخيرة قبل سفري مباشرة .. من الغريب أن تجد أحدهم يحتفظ بوجهه الطفولي طيلة حياته .. ربما لهذا كان يحبه الجميع و ربما لهذا لم أكن .

تابعت الصور على الجدران .. هذا الرجل كان يجد من يصوره في كل لحظات حياته.

حكى لنا يومًا أن عائلته توارثت مهنة التصوير أبًا عن جد .. حكى أيضًا أن جده هو أول من صور الزعيم سعد زغلول عند عودته من المنفى كما إعترض طريق الملك فاروق الأول راجيًا منه أن يلتقط له صورة يوم تتويجه .

قال أن جده هو أول من أدخل الكاميرة المحمولة إلى مصر .. كما أن أبيه هو الذي صور الرئيس محمد نجيب و الرئيس جمال عبد الناصر كان أول من أدخل كاميرة التصوير الملون و أول من إستعملها .

يومها لم أعرف تلك الأسماء التى تحدث عنها .. سألته عنهم فأجابنى أن الناس دائمًا ما يحتاجون إلى من يسيرون وراءه .. المشكلة أنهم يغمضون أعينهم و يربطون أنفسهم بهم حتى و ساروا بهم إلى الجحيم .. لم أفهم شيئـًا وقتها .. إبتسم و قال إنني سأفهم فيما بعد .. بمرور الزمن عرفت عنهم أشياءًا كثيرة شككتني في رواياته عنهم .. في الغرفة المجاورة وجدت صورهم تتصدر جدران الغرفة .. عجبًا .

لم أتمكن أبدًا من رؤية بيت بهذا القدم من الداخل من قبل .. أتفقد الزخارف .. كانوا يهتمون بكل شئ .. الزخارف و التفاصيل الجديدة .. أخبرنى أبى أن البيت كان ملكـًا لجد الحكى ثم أبيه من بعده و أغلق بعد وفاته حتى أتى الحكى ليعيش فيه بعد ذلك بزمن .. الغريب أن الحكى لم يفسد تلك الزخارف بصورته بل كان معتنيًا جدًا بذلك .

إلى اليمين غرفة أخرى .. الغرفة الوحيدة ذات باب وردى .. في الغرفة ثلاثة صور فقط يخصون زوجته .. أتذكر تلك الحكايا التى حكاها لنا مرات كثيرة عن زوجته و كيف أحبها و أحبته و قص علينا قصة رفض أبيها و كيف تحدياه .. أتذكر أنه قص علينا كيف كان يترك عمله مبكرًا كل يوم فقط لكى يلقى عليها نظرة خاطفة عند خروجها من منزلها و كيف كان يبيت مختبئًا أمام بيتها فقط لتكون هي أول من يرى في يومه .. كانت أجمل نساء الدنيا .. هكذا قال .. أحداث كثيرة قصها علينا و في النهاية كان الزواج بداية.

كانت جميلة جدًا .. أجمل بكثيرمما توقعت .. كان معه كامل الحق أن يهيم بها كل هذا الهيام و يقص عنها كل تلك القصص و الحكايا .. ذكرنى جمالها بها .. أجمل فتيات حينا .. كانت تجلس معنا عند الحكى تستمع حكاياه .. لم يكن يربطنا شئ سوى تلك النظرات التى كنا نرسلها لبعضنا البعض .. كنت أعرف أنها تخصنى بنظراتها دون غيري و كنت أبادلها النظرات أيضًا .. و بمرور الوقت تآلفنا أكثر و كبرنا أكثر .

كنت أرى عينيها تتألق و تنظر إلىَّ دومًا عندما كان يحكى لنا عن زوجته .. كأنه كان يشعل فينا الحب و أنا أيضًا .. مر العمر بنا و كبرنا أكثر .. لم أكن أؤمن إلا بما تراه عيني و تلمسه يدي .. أما هى فظات تحيا في معينه تنهل من حكايا لا تنتهى.

أذكر يومنا الأخير .. ظلت تحدثنى عن الحب و الخير و الجمال .. لكننى يومها أحببت ذلك الجسد الناضج القابع بجواري .. حاولت تقبلها عنوة .. رفضت و نهرتنى .. صفعتها.

صباح اليوم رأيتها شابة رائعة الجمال و الأنوثة .. مرت بجواري و كأنها لا تعرفني .. الغريب إنني لم أحس يومًا بتأنيب الضمير أو بالندم على ما فعلت.

على الجدار خلفى وجدت مئات من الصور لها سواءًا معه أو وحدها و حتى صور لها بملابس الدراسة .

بجوار السرير سلم يقود للأسفل فى نهايته ممر طويل .. على جانبى الممر صورًا لأكثر ما رفضت تصديقه .

حكى لنا عن الحرب و عن ذكراياته مع السلاح و الدوشمة و الخنادق .. حكى لنا عن ثمانية سنوات قضاها على الجبهة و عن يوم العبور و عن صيده للدبابات و كيف كان ينام تحتها بالقنبلة داخل ماكيناتها أو يقفز فوقها ليلقي بالقنبلة داخل كوتها .

لم أصدق أيًا من تلك الحكايا لكنى الآن أقف أما كل ذلك .. حتى تلك الخوذة التى أخذها من الجندي الإسرائيلي الذى أسره في أول يوم قتال .

أتابع الممر إلى نهايته لأجده قد علق بإعتناء ذلك الوسام الذى حصل عليه تقديرًا لشجاعته في الحرب .

حكى لنا عن والده الذي توفي سنه تسع و ستون قبل أن يموت جمال عبد الناصر فلم يصور السادات .. أما هو فقد قرر ألا يتخذ التصوير مهنة له بعد خروجه من الجيش .. إنه يعشق التصوير لدرجة تمنعه من أن يكون فقط مجرد " مصوراتي " .. لا أعرف لماذا صدقته في هذه القصة بالذات .

دخلت غرفة .. إثنان .. ربما ثلاثة أو أكثر .. لا أعرف تحديدًا لكننى أخيرًا وجدت معمل التحميض و على جدرانه وجدت صور كثيرة لنا و نحن نجلس حوله كل أطفال الحي الذين صاروا كبارًا الآن .. ركن ما خصصه لصوري أنا و حبيبتى أو من كانت كذلك و صورًا أخرى لي .. لم أدر متى إلتقطها.

كان أخرصوري يوم سفري للدراسة .. أذكر أنه إعترض طريقى يومل فجأة قائلاً كلمة واحدة .. إحلم .

نظرت فى الساعة .. يكاد الفجر يقترب .. رحت أبحث عن الباب و أنا أسأل نفسي ما إذا كنت أريد الخروج حقـًا .

تمت

الجمعة، 16 أبريل 2010

بيت الحكايا

" مش الحكى مات من تلت شهور "
كان هذا ما فاجأني به صديقي عند دخولنا إلى شارعنا الذي غبت عنه طوال العامين الماضيين.
الحكى أغرب من عرفت فى حياتى منذ أن أتى للعيش في منزله عند طرف الشارع .. المنزل كان مغلقـًا منذ ولادى .. لم أرى أحدًا يدخله أو يخرج منه حتى أتى هو .
كان وحيدًا لم لأرى أحدًا يقطن معه .. كنت فى العاشرة عندما رأيته لأول مرة .. رجلاً في العقد السادس من عمره يجلس في حديقة منزله الصغيرة و قد إجتمع حوله أطفال الحى و هو يوزع عيهمالحلوى ..كان شيئـًا عظيمًا أن تحصل على الحلوى مجانـًا كل يوم أما هو فقد كان يجلس إلينا و يحكى لنا قصصه و نوادره التى لا تنتهى.
رويدًا رويدًا لم يعد زواره من الأطفال فحسب .. لكن من الشباب كبار السن أيضًا .. حكاياه تمتع الجميع .. أصبح يعرفنا بالإسم و يسأل عنا إذا غبنا عن مجلسه .
أما أنا فقد كنت أتساءل فى نفسي عن بيته .. فبرغم كل زواره لم يدخله أحد قط .. كنت كلما ذهبت إليه لأمنى نفسي بأنني سأكون أول من يدخله لكن ذلك لم يحدث أبدًا .
مرت الأيام تسبق بعضها بعضًا و تدريجيًا فقدت أهتمامى بالمنزل و الحكايا و كذلك الحلوى .. أخذتنى الدراسة إلى الواقع حتى نسيت الخيال بل حتى لم أعد أثق بغير الواقع .. كذبت كل ما قال و كفرت بكل الحكايا .. لكنه لم يتوقف أبدًا عن السؤال عنى .
من شرفة غرفتى رأيت بيته .. الحديقة الخالية منذ ثلاثة أشهر .. علمت أن أحدًا لم يدخل بيت الحكى منذ وفاته .
كان الليل قد بدأ في إرخاء أستاره عندما قررت أن أدخل البيت .. أن أكشف لنفسي و لو لمرة أخيرة كذب كل الحكايا التى قالهاو التى رفضتها مسبقـًا .
دقائق معدودة و كنت أمسك بكشافى الضوئي و أقف أمام البيت .. كان غير موصد .. يبدو أن أحدًا لم يهتم بذلك منذ وفاة الحكى أو أنه لم يوصد أبدًا .
أضأت الكشاف و دخلت و مع كل خطوة سيل من القصص و الحكايا التى سمعتها منه .
دلفت إلى أول غرفة قابلتنى .. الجدران تملأها صور لم أستطع أن أحصيها .. إستعرضت الصور إلى أن إستوقفتنى .. تذكرت قصة " شجرة التوت العالية " التى قصها علىَّ .. قال أنه إستطاع أن يصعد إلى شجرة التوت سبع مرات في يوم واحد بعد أن تراهن مع أصدقاءه على ذلك لم أصدق يومًا أن طفلاً يستطيع صعود شجرة التوت سبع مرات .. خاصة عندما حاولت ذلك و لو لمرة واحدة .. فكيف إستطاع هو ذلك .. كانت الإجابة واضحة .. صورة طفل يتسلق " شجرة التوت العالية " .
توقفت لبرهه أمام الصورة .. شكل الحكى لم يتغير كثيرًا منذ طفولته و حتى رأيته للمرة الأخيرة قبل سفري مباشرة .. من الغريب أن تجد أحدهم يحتفظ بوجهه الطفولي طيلة حياته .. ربما لهذا كان يحبه الجميع و ربما لهذا لم أكن .
تابعت الصور على الجدران .. هذا الرجل كان يجد من يصوره في كل لحظات حياته.
حكى لنا يومًا أن عائلته توارثت مهنة التصوير أبًا عن جد .. حكى أيضًا أن جده هو أول من صور الزعيم سعد زغلول عند عودته من المنفى كما إعترض طريق الملك فاروق الأول راجيًا منه أن يلتقط له صورة يوم تتويجه .
قال أن جده هو أول من أدخل الكاميرة المحمولة إلى مصر .. كما أن أبيه هو الذي صور الرئيس محمد نجيب و الرئيس جمال عبد الناصر كان أول من أدخل كاميرة التصوير الملون و أول من إستعملها .
يومها لم أعرف تلك الأسماء التى تحدث عنها .. سألته عنهم فأجابنى أن الناس دائمًا ما يحتاجون إلى من يسيرون وراءه .. المشكلة أنهم يغمضون أعينهم و يربطون أنفسهم بهم حتى و ساروا بهم إلى الجحيم .. لم أفهم شيئـًا وقتها .. إبتسم و قال إنني سأفهم فيما بعد .. بمرور الزمن عرفت عنهم أشياءًا كثيرة شككتني في رواياته عنهم .. في الغرفة المجاورة وجدت صورهم تتصدر جدران الغرفة .. عجبًا .
لم أتمكن أبدًا من رؤية بيت بهذا القدم من الداخل من قبل .. أتفقد الزخارف .. كانوا يهتمون بكل شئ .. الزخارف و التفاصيل الجديدة .. أخبرنى أبى أن البيت كان ملكـًا لجد الحكى ثم أبيه من بعده و أغلق بعد وفاته حتى أتى الحكى ليعيش فيه بعد ذلك بزمن .. الغريب أن الحكى لم يفسد تلك الزخارف بصورته بل كان معتنيًا جدًا بذلك .
إلى اليمين غرفة أخرى .. الغرفة الوحيدة ذات باب وردى .. في الغرفة ثلاثة صور فقط يخصون زوجته .. أتذكر تلك الحكايا التى حكاها لنا مرات كثيرة عن زوجته و كيف أحبها و أحبته و قص علينا قصة رفض أبيها و كيف تحدياه .. أتذكر أنه قص علينا كيف كان يترك عمله مبكرًا كل يوم فقط لكى يلقى عليها نظرة خاطفة عند خروجها من منزلها و كيف كان يبيت مختبئًا أمام بيتها فقط لتكون هي أول من يرى في يومه .. كانت أجمل نساء الدنيا .. هكذا قال .. أحداث كثيرة قصها علينا و في النهاية كان الزواج بداية.
كانت جميلة جدًا .. أجمل بكثيرمما توقعت .. كان معه كامل الحق أن يهيم بها كل هذا الهيام و يقص عنها كل تلك القصص و الحكايا .. ذكرنى جمالها بها .. أجمل فتيات حينا .. كانت تجلس معنا عند الحكى تستمع حكاياه .. لم يكن يربطنا شئ سوى تلك النظرات التى كنا نرسلها لبعضنا البعض .. كنت أعرف أنها تخصنى بنظراتها دون غيري و كنت أبادلها النظرات أيضًا .. و بمرور الوقت تآلفنا أكثر و كبرنا أكثر .
كنت أرى عينيها تتألق و تنظر إلىَّ دومًا عندما كان يحكى لنا عن زوجته .. كأنه كان يشعل فينا الحب و أنا أيضًا .. مر العمر بنا و كبرنا أكثر .. لم أكن أؤمن إلا بما تراه عيني و تلمسه يدي .. أما هى فظات تحيا في معينه تنهل من حكايا لا تنتهى.
أذكر يومنا الأخير .. ظلت تحدثنى عن الحب و الخير و الجمال .. لكننى يومها أحببت ذلك الجسد الناضج القابع بجواري .. حاولت تقبلها عنوة .. رفضت و نهرتنى .. صفعتها.
صباح اليوم رأيتها شابة رائعة الجمال و الأنوثة .. مرت بجواري و كأنها لا تعرفني .. الغريب إنني لم أحس يومًا بتأنيب الضمير أو بالندم على ما فعلت.
على الجدار خلفى وجدت مئات من الصور لها سواءًا معه أو وحدها و حتى صور لها بملابس الدراسة .
بجوار السرير سلم يقود للأسفل فى نهايته ممر طويل .. على جانبى الممر صورًا لأكثر ما رفضت تصديقه .
حكى لنا عن الحرب و عن ذكراياته مع السلاح و الدوشمة و الخنادق .. حكى لنا عن ثمانية سنوات قضاها على الجبهة و عن يوم العبور و عن صيده للدبابات و كيف كان ينام تحتها بالقنبلة داخل ماكيناتها أو يقفز فوقها ليلقي بالقنبلة داخل كوتها .
لم أصدق أيًا من تلك الحكايا لكنى الآن أقف أما كل ذلك .. حتى تلك الخوذة التى أخذها من الجندي الإسرائيلي الذى أسره في أول يوم قتال .
أتابع الممر إلى نهايته لأجده قد علقيإعتناء ذلك الوسام الذى حصل عليه تقديرًا لشجاعته في الحرب .
حكى لنا عن والده الذي توفي سنه تسع و ستون قبل أن يموت جمال عبد الناصر فلم يصور السادات .. أما هو فقد قرر ألا يتخذ التصوير مهنة له بعد خروجه من الجيش .. إنه يعشق التصوير لدرجة تمنعه من أن يكون فقط مجرد " مصوراتي " .. لا أعرف لماذا صدقته في هذه القصة بالذات .
دخلت غرفة .. إثنان .. ربما ثلاثة أو أكثر .. لا أعرف تحديدًا لكننى أخيرًا وجدت معمل التحميض و على جدرانه وجدت صور كثيرة لنا و نحن نجلس حوله كل أطفال الحي الذين صاروا كبارًا الآن .. ركن ما خصصه لصوري أنا و حبيبتى أو من كانت كذلك و صورًا أخرى لي .. لم أدر متى إلتقطها.
كان أخرصوري يوم سفري للدراسة .. أذكر أنه إعترض طريقى يومل فجأة قائلاً كلمة واحدة .. إحلم .
نظرت فى الساعة .. يكاد الفجر يقترب .. رحت أبحث عن الباب و أنا أسأل نفسي ما إذا كنت أريد الخروج حقـًا .

تمت

الأربعاء، 14 أبريل 2010

الشرفة

لكل إنسان عاداته التى يحرص عليها يوميًا .. لا يفارقها مهما كانت الأسباب .. أنا أيضًا لي بعض العادات التي لا أتنازل عنها .. مثل شارع محبوبتي الأولى التى كانت تسكن فيه و الذى أصر أن أمر فيه يوميًا عند عودتى إلى منزلى و أن ألقى نظرة على شرفتها – أو تلك التى كانت شرفتها – ترى أين ذهبت الآن؟ .. نفس المقهى الذي إعتدت أن أسهر عليه يوميًا سواءًا وحدى أو مع أصدقائى .
أما أهم عاداتي فهى تلك التى ترتبط بشرفة غرفتي .. تلك التى تطل على شرفته .
هو .. لا أعرف عنه الكثير سوى أنه يعيش وحيدًا بعد أن تجاوز سن الثمانين من عمره .. رغم سنوات عمره تلك إلا أنه يبدو نشيطـًا .. لا يتوقف عن الحركة في شقته طوال اليوم إلا من ذلك الوقت المعتاد .
هو أيضًا له عاداته اليومية التى لا يتخلى عنها .. أو هكذا يبدو .
لا أعرف من عاداته سوى تلك تلك التى أرتبط بها .. تلك الجلسة التى تبدأ عادة في الخامسة و تنتهى كالعادة في التاسعة .. يجلس أمام الشرفة على نفس الكرسي ينظر في إتجاه واحد لا يتغير .. لا تململ في جلسته .
أتذكر ذلك اليوم الذى رأيته فيه للمرة الأولى يفعل ذلك .. لم يكن عادتي أن أبقى في المنزل إلى بعد الخامسة .. عندما خرجت إلى شرفتى وجدته على جلسته .. ذلك اليوم عدت إلى الشرفة عدة مرات لأجده على ما هو عليه لم يتحرك قيد أنمله حتى التاسعة .
في اليوم التالى بقيت في المنزل خصيصًا لأتابعه .. في الرابعة و النصف جلست في الشرفة .. في الخامسة أتى هو و جلس بعد فترة .. أحست بالملل .. تساءلت كيف لا يمل هو تلك الجلسة .. تـُرى ما الذى يجلس ينظر إليه .. لا أعلم .. ظل ذلك الهاجس يراودنى .. أجبرت نفسي على إكمال الجلسة حتى نهايتها .. قام و إتجه إلى الداخل.
تدريجيًا بدأت أتعود على الوضع بل إننى أصبحت مثله لا أتحرك طوال الوقت .. فكرت يومًا أنها قد تكون إحدى تمرينات اليوجا .. لكن ما الذى يشغل عجوزًا مثله باليوجا ؟!! .. هناك أمر ما.......
***
أتاحت لى تلك الجلسة اليومية التفكير في أمور شتى لم أكن لأفكر فيها أبدًا مهما كان الأمر .. إتخذت قرارت هامة غيرت مجرى حياتي .. تركت عملى الذى كنت أكرهه .. وقتها لم يكن أمامى فرصة أخرى .. بعد فترة أنشأت عملى الخاص .. كان قرارًا حكيمًا .. تركت خطيبتى التى لم أشعر أننى أميل أليها من البداية .. الآن وجدت حب عمري . و هكذا .
***
هو .. مسالم جدًا .. الإبتسامة لا تفارق وجهه .. وجهه طيب الملامح .. صارم القسمات .. وحيدًا دائمًا .. لم أر يومًا أحدًا يزوره أو يؤنس وحدته .. في تلك المرات القليلة التى كانت تلتقى فيها أعيننا عبر الشرفة كنا نتبادل التحيات .. البسمات .. هز الرئوس .. أجده يفعل ذلك مع كل من تقع عينه عليه .. ربما يأتنس بهم .
اليوم .. الرابعة تمامًا جلست فى مكانى في إنتظاره .. لم يخلف وعده ..لفت نظرى مظهره .. يرتدى زيًا عسكريًا و طربوش .. وقف أمام الكرسي في نهاية الجلسة .. وقع أرضًا .. إنتبهت .. أصابتنى تلك الرجفة .. الرعب .. لا أدري .. خوف قوى على صديقي الخفى .. العزيز .. ظللت متابعًا لموقف لخمس دقايق تقريبًا .. لم يظهر .. هرعت إلى هاتفى النقال طلبت الإسعاف و أنا في طريقي إليه .. صعدت مع البواب و رجال الإسعاف .. رغم خوفي الشديد عليه .. كان بداخلى ما يدفعني لأن لأعرف ما الذى يخفيه هذا الرجل .
على باب الشقة لافته مكتوب عليها " صاغ / محمد عبد النعم " صاغ ؟! ماذا يعني ذلك ؟!
إقتحمنا الشقة .. كان لا يزال مسجيًا على الأرض قي زيه العسكري .. على الحائط المواجه شماعة للزى العسكري .. صورة للملك مع الحرس الملكى تحمل دائرة حول صورته .. تتوسطهما لوحة لإحدى أميرات العائلة المالكة
تمت