الأربعاء، 28 أبريل 2010

نفسي

أزعجه الصرير الغريب ففتح عينيه ليستكشف يومه الجديد.

" نفسي أموت "

كانت تلك هى الكلمة التى قالها لنفسه و هو يفتح باب شقته بادئـًا يومه الطويل كالعادة .. ألقى نظرة على الشقة من الداخل قبل أن يغلق الباب و كأنه يودعها .. من داخله كان يود ألا يعود إليها .. فهى لا تمثل لديه إلا مكانـًا للنوم .. أيامًا كثيرة حتى لا ينام فيها .. يمل إلى البقاء وحيدًا بالليل يحاول أن يجدد .. ربما يصر أن يبقى متنقلا ًبين المقاهى و الشوارع حتى الصباح دون إنقطاع لمجرد ألا ينام بمفرده في منزله .. ربما أيضًا يغالبه النعاس لكنه بمرور الأيام أحب النوم في الهواء الطلق أو ربما إعتاد عليه.

سار في طريقه المعتاد .. إنه يحفظه بكل إنحناءاته و شوارعه الجانبية لدلك لا يبذل مجهودًا في إختياره ربما لا ينظر إلى الطريق من الأصل .. يستطيع أن يغمض عينيه و هو يعرف جيدًا أنه بعد عدد معين الخطوات سوف يدلف يمينـًا أو ربما سيصل إلى الشارع الرئيسي .. لم يخطئ يومًا في ذلك و لم تخنه خطواته الثابته ذات الإيقاع الرتيب.

بمجرد وصوله إلى مقدمة الشارع يكون الساعة السادسة و النصف دائمًا بدون تأخير أو تقديم .. يرهقه روتينه اليومي لكنه لا يحاول تغييره أبدًا .. يعتبره جزئـًا منه هكدا يبدأ ما إعتاد عليه يوميًا .. بعد وصوله بخمس دقائق تصل نفس السيارة التى إعتاد أن يركبها يكره الأيام التى تتأخر فيها تلك السيارة .. يكرة أكثر الأيام التي لا تأتي فيها .. يلقى نظرة من شباك السيارة على شارعه.

" نفسي مارجعش "

يبدأ في دوامة صمته اليومى .. لا يتكلم تمامًا .. يزعجه الصرير المزعج المفاجئ .. بينما لا يتوقف سائق السيارة أبدًا عن الحديث مهما كانت الأسباب .. إعتاد على ثرثرة السائق حتى أنها أصبحت بالنسبة له مثل أى شئ .. ضوضاء الشارع .. الأصوات المختلطة لقنوات الراديو .. يبدو أن تلك الأشياء فقدت إزعاجها بالنسبة له.

عادة ما يفقد حديثه الطويل فى دوامة أفكاره و لكن أية أفكار .. أفكاره دائمًا فارغة .. لا تفضي إلى شئ لكنه إعتاد عليها.

حتى عمله الذى عادة ما يصله في السابعة إعتاد على كل شئ فيه .. حتى على إزعاج زملائه و هو يضعون ملفات العمل أمامه لينجزها بدلاً منهم بينما يشغلون أنفسهم بإشياء شتى ليس العمل جزء منها .. أحيانًا هو أيضًا لا يكون مقبلاً على العمل .. لكنه يعمل بحكم العادة.

العادة .. شئ يزعجه .. لكنه يألفه .. يخشى أن يغير طبيعة يومهلكنه لا يحب التغيير كثيرًا في حياته حتى و إن رغب هو فى ذلك.

" زهقت " .. عادة ما يقولها في الثالثة مع إنتهاء يوم عمله .. رغم أنها عادة تخرج منه دون قصد .. لكنه إعتاد عليها.

" نفسي أستقيل " هكذا يكمل جملته .. دائمًا ينضم إلى جموع الخارجين من المكان .. يستمع صامتـًا إلى جواراتهم .. إلى مواضيع مناقشتهم حتى إذا سأله أحدهم عن رأيه .. ربما لا يحب ما هو أكثر من هز رأسه ربما لا تعمى إشارته شيئـًا و ربما لا يفهمون هم ذلك لكنهم يكملون معه طريق خروجهم و يكملون حديثهم الذي لا يجد فيه نقطة إلتقاء معهم.

لم يراد أن يدخل إلى شارعه .. وقف لبرهه لا يدري أين يذهب .. الأمر أصبح متكررًا .. بفت نظره الطائرة الورقية في السماء

" نفسي أطير" كان ذلك هو إحساسه عندما رأها .. فرد ذراعيه .. أراد أن يتخيل نفسه منطلقـًا مثلها .. أفاق على نفير السيارة خلفه .. افقده ذلك متعة إحساسه.

تنقل بين المقاهى و الشوارع كل الأماكن التى إعتاد عليها .. يعرف كل مداخلها و مخارجها .. الكثير منها يستطيعأن يغمض عينيه و يتحرك دون خوف.

" نفسي أسافر " فكرة طرقت عليه فجاة .. لم يرد ان يمنح نفسه حتى فرصة التفكير فى الأمر .. كان التنفيذ فوريًا .. أراد أن يعبر الطريق.

تعجله لم يمنحه الفرصة حتى لينظر إلى تلك السيارة القادمة نحوه بسرعة

" نفسي أموت " قالها قبل إن تظلم الدنيا في عينيه .. أظلامًا بدا أبديًا

***

فتح عينيه .. أحس ببعض الآلام الخفيفة لم يعرف أين هو .. هل هو في الجنة أم في النار .. سؤال دار فى ذهنه .. حاول ان يقوم أحس بيدين تعيدانه برفق إلى السرير .. نظر إلى ذلك المتشح بالبالطو الأبيض.

" إيه يا حج مش تاخد بالك من السكر شوية .. ولادك كانوا هايموتوا من القلق عليك "

تمت

ليست هناك تعليقات: