عند إنتهاءه من الأحتفال بعيد ميلاده الأربعين إكتشف أنه أمضاه وحيدًا رغم كل أولئك الذين يعرفهم و يعتبرهم أصدقاءه من الأوساط الثقافية.
هو كان واسع الإنتشار فى الأوساط الثقافية لدرجة أن الكثيرين منهم إعتقد أنه عميل للأمن ينتقل إليهم ما يدور في مجالسهم الثقافية .. هو لم يكن كذلك و مع ذلك يذل مجهودًا كبيرًا لكي يبدد هذه الصورة عنه.
رغم كل شئ كان سلميًّا إلى درجة كبيرة .. يرفض أفكار الإضرابات و التظاهر و التغيير الجبري و كل تلك الموجة التى ثارت في أوقات مختلفة معتبرًا إياها من وجهة نظره تراجعًا ثقافيًا .. كل يرى أن العيب الحقيقي ليس في قمة الهرم بل في قاعدته .. أدخله ذلك في مناقشات طويلة مستفيضة ليس لها أول من آخر .. كانت نهايتها إتهامات متعددة بالخيانة و السطحية الثقافية و مع أحتدام المناقشات و كثرتها أصبح عضوًا غير مرغوب فيه عن الكثير من المحافل الثقافية .. بهدوء فقد كل أصدقاءه الذين أكتسبهم طوال الفترة الماضية.
إحتفاله وحيدًا بعيد ميلاده و فترة الوحدة التى قضاها قبلاً شكلا ضغطـًا نفسيًا كبيرًا عليه فهو ببساطة يرى أن الأمر لم يكن يستدعى ذلك .. أن يمقته الجميع .. ساوى في عقله بين هؤلاء المثقفين الذين يطلقون لقب خائن و عميل على كل من يعارضهم و هؤلاء المتأسلمين الذين يطلقون لقب كافر على كل من لا يتفق معهم .. كلاهما حكم بالإعدام.
قضي فترة طويلة يفكر في الأمر و يقلبه على كافة الأوجه .. أحيانـًا يسأل نفسه لماذا لم يسبقهم بالقول و يتهمهم بالخيانة .. ربما لو كان قد فعل ذلك لتغير الأمر .. " في بعض الأمور يكون الأسبق دائمًا على حق " هكذا كان يقول لنفسه.
لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير حتى أن الوقت الذي خصصه للقراءة يوميًا لم يقرأ فيه كلمة واحدة بل توقف تمامًا عن أى شئ أخر سوي التفكير.
لم يصل إلى حل .. دار في كل أنحاء الغرفة دون أن يفهم أي شئ .. بهدوء أحس بأن شئ ما يتسرب شيئـًا فشيئـًا إلى عقله .. " ألا يمكن أن أكون أنا المخطئ .. ليس من الطبيعي أن يكون كل هؤلاء مخطئون و أنا الصائب الوحيد " .. صمت طويلاً .. حاول أن يخرج الفكرة من خضم أفكاره حتى توقف عن التفكير تمامًا .. مع خروج الفكرة من عقله .. إستغل هذه الفترة في الإسترخاء.
لم تمر فترة طويلة حتى إرتطمت به الموجة الثانية .. " لماذا لا تجرب الطرف الآخر " .. تلك المرة لم يحاول إخراج الفكرة من عقله .. وجد نفسه و قد إنصاع لها تمامًا و بسرعة غريبة ترتبت أمام عينيه أفكار كثيرة حتى أنه أسرع إلى مكتبه و أخرج أوراقه و كتب في وسط أولاها .. " التنظيم " .. ثم صمت القلم بين يديه .. خلا عقله تمامًا من شئ يمكن أن يكتبه .. " يرى ماذا يمكن أن تكون أهداف هذا التنظيم و توجهاته ؟! "
إكتشف أنه رغم كل قراءاته فهو لم يتمرس السياسة ليس لأنه يخشاها و لكن لأن الأولوية بالنسبة له لم تكن لها .. إكتشف أن عليه أن يعيد قراءاته في السياسة قبل أن يكتب حرفـًا آخر.
لشهر كامل يعيد قراءاته في الماركيسية و الإشتراكية و الليبرالية و الرأس مالية و الفاشية و النازية و في أفكار التيارات الإسلامية .. إكتشف أنه لا يقبل تيارًا سياسيًا بعينه ففى الوقت الذي يتفق فيه مع اليسار فهو يختلف كتيرًا مع اليسار و كذلك اليمين و كذلك التيارات الإسلامية.
كان الحل واضحًا جليًا رغم أنه يخشاة .. عليه أن يجمع بين كل تلك الأراء التى يقبلها في تيار واحد حتى لو أدى الأمر إلى أن يضع أسس لتيار جديد يوازن.
إستلزمه الأمر شهرًا آخر لكي يفعل ذلك .. ملآ أكثر من مئتى ورقة بأفكار لا تكاد تنتهى ثم خصص عدد مماثل من الصفحات يضع فيها أفكاره عن الثورة و التغيير و أخيرًا إنتهى.
وضع كل الأوراق أمامه و هو ينظر بفخر لما هو على وشك أن يقدمه للبشرية.
******
بعد إنتهاء هذا المحفل الثقافى جلس كعادته غير بعيد .. وحيدًا بينما جلست تلك المجموعة من المثقفين تتحدث عن أحوال الوطن و ما يدور فيه .. إحتدم النقاش و توحدوا حول إظلام الصورة.. قرر هو إنتهاز الفرصة .. إقترب ببطء ثم أعلن كلمته .. " لا حل سوي الثورة" .. أثارت الكلمة إندهاش جميع الحاضرين .. أستغل الموقف و لسرعة جلس بينهم يشرح لهم كل أفكاره التى كتبها و مع كل كلمة يزداد تجاوبهم معه و إقتناعهم به بينما يزداد هو سعادةحتى أنه أحس أن ثورته المنشودة لن يستغرق الإعداد لها سوى أيام معدودة على أصابع اليد الواحدة.
******
أفاق من غفوته و أفكاره .. أمسك بقداحته و أشغل النار في كل الأوراق فهو غير مقتنع بالفكرة منذ البداية
تمت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق