بالأمس عند عودتي من طريقي المعتاد .. لم أجده في مكانه المعتاد .. أثار ذلك قلقى .. رغم الأمطار التي لم تتوقف لحظة منذ بداية اليوم توقفت و حاولت البحث عنه حول مكانه المعتاد ربما يكون مختبئـًا تحت إحدى الثنايا من ذلك المنهمر فوق رؤوسنا .. لا أثر له.
هو ذلك الرجل الغامض القابع بجوار المسجد يبيع البخور .. ليس هذا ما يميزه أو يجعله مختلفـًا بل هذا العدد من القطط التى تحيط به كما لو كانت حرسًا لا يفارقه.
رأيته للمرة الأولى عندما إكتشفت أن هذا الطريق هو أقرب الطرق إلى منزلي الجديد أو بالأحرى غرفتى الجديدة فوق إحدي المنازل .. رائحته هى ما لفتت نظرى .. طالما عشقت رائحة البخور .. أجبرني ذلك على أن أتوقف و أبتاع منه بعض البخور .. تلك المرة لم ألحظ القططين الجالستين بجواره كأسدي قصر النيل .. سمعت مرة أن الأسود من الفصيلة القططية .. تأكدت من ذلك لاحقـًا.
كوني وحيدًا جعلنى أفعل أي شئ لكي أتقبل بقائي في غرفتي بعد عودتي من العمل .. فدخلى المتواضع لا يسنح لى بأكثر من الخروج لمرة احدة في الإسبوع .. لذلك كان هو الحل .. لديه أنواعًا مختلفة من البخور رخيص الثمن لكنها تحمل شيئـًا من روائحه الذكية .. عطي ذلك الغرفة متعة خاصة.
أثارت تلك القطط عجبى فهى لا تكاد تفارقه .. هو أيضًا لم أره يفارق مكانه أبدًا.
منذ شهر تقريبًا كان يومي الترفيهي الإسبوعى .. أخذتني السهرة و لم أشعر بالوقت .. كانت الثالثة فجرًا عندما قررت العودة إلى غرفتى .. عندها فقط كانت المرة الأولى التى أراه فيها نائمًا .. إنه يفترش نفس المكان .. الأغرب كان تلك القطط التى تتناوب الطواف حوله طيلة النهار تحيط جميعها به أثناء النوم .. إفتقدت هذا الأحساس بالدفئ.
عندما كنت طفلاً كنت أنام و إخوتى على سرير واحد في أيام الشتاء ليدفئ بعضنا بعضًا .. لا أنسى ذلك اليوم الذى وقع عليّ فيه الإختيار لأكمل تعليمي في المدينة تاركـًا القرية و الأرض و إخوتى .. ثم لم أستطع أن أعود مرة أجرى .. لم أصدقهم عندما قالوا لى إن للمدينة سحر يخطغ و أن النداهه تقطن عند بوابتها لتمنع من بداخلاها من الخروج .. كذبت كل شئ لكننى في النهاية .... و حيد.
شتاء الأمس كان فقد البداية.. ثار بداخلى سؤال .. أين يذهب أثناء المطر .. فهو لم يفارق مكانه أبدًا منذ رأيته للمرة الأولى .. إستيقظت اليوم لأجد الجو مقبولا .. لا مطر لكن البرودة لم تبرح الأجواء بعد.
في طريقي مررت بالمسجد .. هو و بخوره و قططه متواجدون كالعادة .. إبتسمت ثم أكملت طريقي.
قبل أن أكمل طريقي إلى الشارع الرئيسي كانت الأمطار قد بدأت في الهطول و في لحظات كانت كانت قد وصلت إلى حد السيل .. إكتشفت ساعتها أننى نسيت مظلتى .. أسرعت لأختبئ تحت المباني ثم تذكرت ذلك الصديق .. كانت فرصة ذهبية .. عدت مسرعًا إلى مكانه لأجده يلملم حاجياته سريعًا و القطط تقف في إنتظاره .. ثم لم أعد أرى شيئـًا .. الماء يغطي زجاج نظارتى.. إلتجأت سريعًا إلى أقرب مبنى ثم مسحت النظارة بسرعة و عندما عادت الرؤية لم يكن له أثر خلعت نظارتى و وقفت تحت المطر مبتسمًا .. تأخرت على عملي و لم أعرف أين يذهب هو .. لكن غدًا يوم جديد و شمس جديدة و ...... بخور جديد
تمت
هناك تعليق واحد:
دافئة برائحة البخور
تقبل تحياتى
إرسال تعليق